أسامة داود يكتب: بعد كشف تجاوزات الكهرباء... البرلمان يُحاسب الوزير

أسامة داود يكتب: بعد كشف تجاوزات الكهرباء... البرلمان يُحاسب الوزير

ملف الكهرباء من النشر إلى المحاسبة البرلمانية 

حين تتحول الحملة الصحفية إلى مرآة حقيقية لوجع الناس، فإن الصمت الرسمي لا يصمد طويلاً، وتبدأ المؤسسات في التحرك  ولو متأخرً ..

ست حلقات كاملة بدأتها يوم 2 أبريل لم تكن مجرد مقالات... بل كانت بمثابة ملفات اتهام مفتوحة بعدما تحولت وزارة الكهرباء وشركاتها إلى سلطة فوق القانون دونما وجود حماية للمشترك؟ مرورًا بفضح الاستهلاك الوهمي، وقفزات الفواتير غير المبررة، وانتهاءً بكشف نموذج صارخ لتحرير محاضر سرقة في مواجهة مواطن ملتزم.

حلقات لم تكتفِ بالسرد، بل وضعت يدها على جوهر الأزمة.. وهو اختلال ميزان العدالة بين شركة تمتلك السلطة… ومشترك لا يملك إلا الانصياع لشحن العدادات الكودية التى تحولت إلى نموذج صارخ للإتاوة ومخالفة القانون.. وسداد البعض لمحاضر وهمية دون أن يُسمح له بالتعليق او التعقيب أو الاعتراض.

من الصمت إلى طلبات الإحاطة

قبل أيام قليلة فقط، كان الحديث عن الظلم الكهربائي أقرب إلى الهمس..  لا أحد يقترب من منطقة محظورة، ولا أحد يفتح ملفات العدادات الكودية، أو يجرؤ على مساءلة ممارسات شركات التوزيع.

لكن المشهد تغير فجأة و تحرك البرلمان.. طلبات إحاطة تتوالى، وأصوات نيابية تبدأ في طرح الأسئلة التي طرحتها الحملة الصحفية التى نُشرت على بوابة طاقة نيوز منذ بداية ابريل 2026.

النائب إيهاب منصور يفتح ملف زيادة أسعار العدادات الكودية، والتى يفرض فيها سعر الكيلووات  عند 2.74 جنيه… زيادة ليست مجرد رقم، بل عبء مباشر على شريحة من المواطنين تم تصنيفها مسبقًا باعتبارها خارج الدعم. لكنه لم يقدم الموضوع كما يجب لانه تحدث عن أن السعر قفز من 2014 إلى 274 قرش.

لكنه لم يناقش أن هذا فى حد ذاته خلل قانونى.. وهو فرض اكبر  سعر شريحة على المواطنين عبر العداد الكودية وهو أمر غير دستوري وليس العبرة بزيادة الشريحة الاعلى ولكن بفرصها على المواطن دون البدء بشرائح متدرجة حسب التعريفة التى يُقرها مجلس الوزراء.

 

النائب ضياء داود يذهب إلى ما هو أخطر، وهو تطبيق التسعير بأثر رجعى، وهو ليس مجرد خطأ إداري، بل شبهة تصادم صريح مع أبسط القواعد القانونية التي تمنع تحميل المواطن قرارات لم تكن قائمة وقت استهلاكه.

أما النائب محمد عبد العليم داود، فقد أثار  النقطة الأوضح.. هل تجاوزت وزارة الكهرباء حدود القانون؟

سؤال لم يعد يُطرح في مقالات الرأي فقط… بل أصبح على طاولة البرلمان.

العدادات الكودية… أداة عقاب

ما كشفته الحملة، وأكدته بعد ذلك طلبات الإحاطة، أن العداد الكودي خرج من فلسفته الأصلية. لم يعد وسيلة لتقنين الأوضاع… بل تحول - وفق ما أُعلن رسميًا - إلى أداة تأديب، وهنا تكمن الخطورة.

الدولة التي تفصل بين المخالفة والعقوبة، تجد نفسها أمام نموذج جديد، وهو خدمة عامة تُستخدم كوسيلة ضغط، بدلاً من أن تكون الكهرباء حقًا مقابل سداد، فقد أصبحت مشروطة بسلوك إداري، بل وأداة لإجبار المواطنين على تسوية أوضاع قد لا يملكون أصلًا القدرة على حسمها.

من يتحمل أخطاء من؟

أخطر ما كشفته الحملة لم يكن فقط في الأسعار… بل في نقل الخطأ.. من مشترك يسدد كل ما يتم فرضه عليه من مقايسة، و وسداد ثمن غرفة و محول… ثم يُفاجأ برفض تركيب العداد.

ليس لأنه مخالف… بل لأن شركة الكهرباء- بقرارها وعبر مهندسيها  - قامت بتوصيله على محول تابع لجهة أخرى.

ثم يحدث العبث.. يُحاسب المواطن على خطأ لم يرتكبه.

ويُتهم بسرقة لم يقم بها..ويُترك دون عداد… حتى تستمر محاضر بسرقة كهرباء في التدفق عليه.. أي منطق هذا؟

وأي عدالة تسمح بأن تكون الجهة نفسها، هي من تخطئ… وهي من تحاسب… وهي من تتهم؟

الكهرباء خصمًا وحكمًا

جوهر الأزمة لم يعد في قيمة فاتورة… بل في طبيعة العلاقة بين الكهرباء والمشترك حيث تحولت شركة الكهرباء من مجرد مقدم خدمة،  إلى جهة ضبط، وجهة اتهام ، وجهة تحصيل.. ثلاثة أدوار في يد واحدة.

وهي معادلة لا تنتج إلا شيئًا واحدًا: اختلال العدالة.

ورغم تحرك البرلمان … لكن المعركة لم تنتهِ، رغم ان تحرك البرلمان خطوة مهمة… لكنه ليس نهاية الطريق.

نعم طلبات الإحاطة تفتح الباب، لكنها لا تُغلق الملف.

لأن ما كُشف حتى الآن - رغم خطورته - قد لا يكون إلا جزءًا يسيراً من الصورة.

أؤوكد أن الحملة مستمرة… ليس بحثًا عن صدام، بل دفاعًا عن مبدأ بسيط،  وهو أن يدفع المواطن ما عليه… لا ما يُفرض عليه.

الكلمة التي كسرت الحاجز

ما حدث ليس مجرد تفاعل مع مقالات… بل دليل على أن الصحافة حين تُمارس دورها الحقيقي، يمكنها أن تعيد ترتيب المشهد.. أن تضع الملف أمام البرلمان.. أن تحوّل الشكوى الفردية إلى قضية عامة، وأن تفرض على السلطة التنفيذية أن تُسأل… لا أن تكتفي بإصدار القرارات..  وهنا لا نتحدث عن نجاح حملة .. بل عن استعادة دور  الصحافة في أن تكون صوتًا لا صدى.. وأن يكون البرلمان  رقيبًا لا متفرجًا.

السؤال الذي لم يُجب عليه بعد كل ما تم كشفه  وبعد كل طلبات الإحاطة هو .. هل ستتوقف الكهرباء عن منح نفسها عبر سياط الضبطية القضائية والعدادات الكودية سلطة تجعلها فوق القانون… أم نستمر فى حملتنا حتى نكشف ما هو أخطر؟